روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
378
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : يسأله من في السماوات من الملائكة كلهم على قدر مقاماتهم ، يسأله الخائف النجاة من البعد والحجاب ، ويسأله الراجي الوصول إلى محل الفرج ، ويسأل المطيع قوة عبادته ، ويسأل المحب أن يصل إليه ، ويسأل المشتاق أن يراه ، ويسأل العاشق أن يقرب منه ، ويسأل العارف أن يعرفه ، ويسأل الموحد أن يفنى فيه ، وهكذا أهل الأرض ، يسأل الجاهل ما يحتجب به عنه ، ويسأل العالم ما يعرف به ربه ، وكذلك الأنبياء والأولياء والأصفياء والأبدال ، يسألون منه على قدر مراتبهم ودرجاتهم معرفته ، ووصاله ، والتخلص بوقاية عظمته من قهره ، يسأل العارف الرعاية ، ويسأل المحب الكفاية ، ويسأل العاشق المشاهدة ، ويسأل الموحد النهاية ، وهو تعالى يكون من حيث مراد الجميع ، يعطي الكل مأمولهم ، ويزيد من فضله ، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) : مزيد قرب المقرّبين ، ووصل الواصلين ، وكشف اللقاء للمشتاقين ، وظهوره في كل ذرة للشائقين ، يظهر في كل لحظة من أنوار عجائب ربوبيته للمستأنسين ، وتلك العجائب بما لم ترها العيون ، ولم تدركه العقول ، ولم تعلمه القلوب ، ولم يلحقه الأرواح ، ولم تناولها الأشباح ، ولم تشاهده الأسرار ، وليس لها نهاية ، يبرز كل يوم وساعة أنوار عجائب ملكه وملكوته على قدر قوة إدراك المدركين ، وأفهام العلماء والعارفين ، وما كان في سوابق علمه في أزل أزله ، بشوق أسرارها ومقاديرها ، بسوط القدر إلى مجاريها ومواردها ، ولا تظن أن أحدا يصل إلى شأنه ، فإن شأنه أعظم من أن يدركه أحد من خلقه . قال الواسطي : من سأل اللّه أعطاه سؤله على قدره ، ومن ابتدأه بالعطاء ابتدأ بما يليق بفضله وجوده وكرمه ، قال اللّه : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه تعالى : أعطيتكم قبل أن تسألوني ، واستجبت لكم قبل أن تدعوني » « 1 » . قال أبو سليمان الداراني : كل يوم له إلى عبيده برّ جديد . وقال أيضا : هو إيصال نعمه إليك ، ودفع الضر عنك ، فلا تغفل عن طاعة من لا يغفل عن برّك . قال الواسطي : يغيب ظاهر ، وإظهار غائب . وقال بعضهم : سوق المقادير إلى أوقاتها .
--> ( 1 ) رواه النسائي في الكبرى ( 6 / 424 ) .